المقريزي

56

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ، إلى أن أعيدت الخطبة في أيام الملك الظاهر بيبرس كما تقدّم ذكره . ثم لما كانت الزلزلة بديار مصر في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة ، سقط الجامع الأزهر والجامع الحاكميّ وجامع مصر وغيره ، فتقاسم أمراء الدولة عمارة الجوامع ، فتولى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عمارة الجامع الحاكميّ ، وتولى الأمير سلار عمارة الجامع الأزهر ، وتولى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار عمارة جامع الصالح ، فجدّدوا مبانيها وأعادوا ما تهدّم منها . ثم جدّدت عمارة الجامع الأزهر على يد القاضي نجم الدين محمد بن حسين بن عليّ الأسعرديّ ، محتسب القاهرة ، في سنة خمس وعشرين وسبعمائة . ثم جدّدت عمارته في سنة إحدى وستين وسبعمائة ، عندما سكن الأمير الطواشي سعد الدين بشير الجامدار الناصريّ ، في دار الأمير فخر الدين أبان الزاهديّ الصالحيّ النجميّ بخط الأبارين بجوار الجامع الأزهر ، بعد ما هدمها وعمرها داره التي تعرف هناك إلى اليوم بدار بشير الجامدار ، فأحب لقربه من الجامع أن يؤثر فيه أثرا صالحا ، فاستأذن السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في عمارة الجامع ، وكان أثيرا عنده خصيصا به ، فأذن له في ذلك . وكان قد استجدّ بالجامع عدّة مقاصير ووضعت فيه صناديق وخزائن حتى ضيقته ، فأخرج الخزائن والصناديق ونزع تلك المقاصير ، وتتبع جدرانه وسقوفه بالإصلاح حتى عادت كأنها جديدة ، وبيّض الجامع كله وبلطه ، ومنع الناس من المرور فيه ، ورتب فيه مصحفا وجعل له قارئا ، وأنشأ على باب الجامع القبليّ حانوتا لتسبيل الماء العذب في كلّ يوم ، وعمل فوقه مكتب سبيل لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه العزيز ، ورتب للفقراء المجاورين طعاما يطبخ كلّ يوم ، وأنزل إليه قدورا من نحاس جعلها فيه ، ورتب فيه درسا للفقهاء من الحنفية يجلس مدرّسهم لإلقاء الفقه في المحراب الكبير ، ووقف على ذلك أوقافا جليلة باقية إلى يومنا هذا ، ومؤذنو الجامع يدعون في كلّ جمعة وبعد كلّ صلاة للسلطان حسن إلى هذا الوقت الذي نحن فيه . وفي سنة أربع وثمانين وسبعمائة ولي الأمير الطواشي بهادر المقدّم على المماليك السلطانية نظر الجامع الأزهر ، فتنجز مرسوم السلطان الملك الظاهر برقوق بأنّ من مات من مجاوري الجامع الأزهر عن غير وارث شرعيّ وترك موجودا فإنه يأخذه المجاورون بالجامع ، ونقش ذلك على حجر عند الباب الكبير البحريّ . وفي سنة ثمانمائة هدمت منارة الجامع ، وكانت قصيرة ، وعمّرت أطول منها ، فبلغت النفقة عليها من مال السلطان خمسة عشر ألف درهم نقرة ، وكملت في ربيع الآخر من السنة المذكورة ، فعلّقت القناديل فيها ليلة الجمعة من هذا الشهر ، وأوقدت حتى اشتعل الضوء من أعلاها إلى أسفلها ، واجتمع القرّاء والوعاظ بالجامع وتلوا ختمة شريفة ، ودعوا للسلطان فلم تزل هذه المئذنة إلى شوّال سنة سبع عشرة وثمانمائة ، فهدمت لميل ظهر فيها ، وعمل بدلها منارة من حجر على باب الجامع